علي محمد علي دخيل

278

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

السالفة رسلها فَانْظُرْ يا محمد كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ أي كما كان عاقبة أولئك الهلاك كذلك عاقبة هؤلاء وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وأراد سبحانه أنه لا يهلكهم في الحال لما يعلم في تبقيتهم من الصلاح وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ أي بمن يدوم على الفساد ، ويعلم من يتوب . 41 - 44 - ثم خاطب سبحانه نبيّه ( ص ) فقال وَإِنْ كَذَّبُوكَ يا محمد ولم يصدّقوك ، وردّوا عليك قولك فَقُلْ لهم لِي عَمَلِي فإن كنت كاذبا فوباله عليّ وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أي ولكم جزاء عملكم أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ نظيره قوله : قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ إلى آخر السورة ، وهذا وعيد لهم من اللّه تعالى كقوله : اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ ونحوه وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ معناه : ومن جملة هؤلاء الكفار من يستمع إليك يا محمد ، والاستماع : طلب السمع ، فهم كانوا يطلبون السمع للردّ لا للفهم فلذلك لزمهم الذم ، فإنهم إذا سمعوه على هذا الوجه كأنهم صم لم يستمعوه حيث لم ينتفعوا به أَ فَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ هذا خطاب للنبي ( ص ) بأنه لم يقدر على اسماع الصم وَلَوْ كانُوا لا يَعْقِلُونَ معناه : ولو كانوا جهالا وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أي ومن جملتهم من ينظر إليك يا محمد أي ينظر إلى أفعالك وأقوالك لا نظر الحقيقة والعبرة بل نظر العادة فلا ينتفع بنظره أَ فَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كانُوا لا يُبْصِرُونَ أي فكما أنك لا تقدر أن تبصر العمي فتنفعهم به كذلك لا تقدر أن تنفع بما تأتي به من الأدلة من ينظر إليها ولا يطلب الانتفاع إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ قد تمدّح سبحانه في هذه الآية بأنه لا يظلم أحدا من الناس شيئا بأن ينقص من حسناتهم وجزاء طاعاتهم ولكنهم ينقصون أنفسهم ويظلمونها بارتكاب ما نهى اللّه عنه من القبائح ، والمعنى هنا : ان اللّه تعالى لا يمنع أحدا الانتفاع بما كلفهم الانتفاع به من القرآن والأدلة ، ولكنهم يظلمون أنفسهم بترك النظر فيه ، والاستدلال به ، وتفويتهم أنفسهم الثواب عليها ، وإدخالهم عليها العقاب ، ففي الآية دلالة على أنه سبحانه لا يفعل الظلم ، فبطل قول المجبرة في إضافة كل ظلم إلى خلقه وإرادته . 45 - 47 - ثم بيّن سبحانه حالهم يوم الجمع فقال وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ أي يجمعهم من كل مكان إلى الموقف كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ أي كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلّا ساعة من النهار ومعناه : أنهم استقلّوا أيام الدنيا فإن المكث في الدنيا وإن طال كان بمنزلة مكث ساعة في جنب الآخرة يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ معناه : ان الخلق يعرف بعضهم بعضا في ذلك الوقت كما كانوا في الدنيا كذلك ، وقيل معناه . يعرف بعضهم بعضا ما كانوا عليه من الخطأ والكفر قال الكلبي : يتعارفون إذا خرجوا من قبورهم ثم تنقطع المعرفة إذا عاينوا العذاب ويتبرأ بعضهم من بعض قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ أي بلقاء جزاء اللّه وَما كانُوا مُهْتَدِينَ للحق قال الحسن معناه خسروا أنفسهم لأنهم لم يكونوا مهتدين في الدنيا ولو كانوا مهتدين في الدنيا لم يخسروا أنفسهم ومعناه : أنهم خسروا الدنيا حين صرفوها إلى المعاصي ، وخسروا نعيم الآخرة حين فوّتوها على أنفسهم بمعاصيهم وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ يا محمد في حياتك بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أي نعد هؤلاء الكفار من العقوبة في الدنيا قالوا : ومنها وقعة بدر أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ أي نميتنك قبل أن ينزل ذلك بهم ، وينزل ذلك بهم بعد موتك فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ أي إلى حكمنا مصيرهم في الآخرة فلا يفوتوننا وقيل : إن اللّه سبحانه وعد نبيه ( ص ) أن ينتقم له منهم إما في حياته أو بعد وفاته ولم يحدّه بوقت فقال : إن ما وعدناه حقا لا محالة ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ أي عليم بأفعالهم حافظ لها فهو يوفيهم عقاب معاصيهم وَلِكُلِّ